أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

182

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

خَوْفٌ عَلَيْهِمْ جواب للشرطين معا ، وليس « أفلم » جواب « أمّا » بل الفاء عاطفة على مقدّر ، والتقدير : أأهملتكم فلم أتل عليكم آياتي » . قال الشيخ « 1 » : وهو كلام أديب لا كلام نحوي ، أمّا قوله : « قد اعترض على النحاة » فيكفي في بطلان هذا الاعتراض أنه اعتراض على جميع النحاة ، لأنه ما من نحوي إلّا ويخرّج الآية على إضمار فيقال لهم : أكفرتم ، وقالوا : هذا هو فحوى الخطاب : وهو أن يكون في الكلام شيء مقدر لا يستغني المعنى عنه ، فالقول بخلافه مخالف للإجماع فلا التفات إليه . فأمّا ما اعترض به من قوله : « وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَ فَلَمْ تَكُنْ آياتِي » وأنه قدّروه : فيقال لهم : أفلم تكن آياتي ، فحذف « فيقال » ولم يحذف الفاء فدلّ على بطلان هذا التقدير » فليس بصحيح ، بل هذه الفاء التي بعد الهمزة في « أفلم » ليست فاء « فيقال » التي هي جواب « أمّا » حتى يقال حذف « يقال » وبقيت الفاء ، بل الفاء التي هي جواب « أمّا » و « يقال » بعدها محذوف ، وفاء « أفلم » تحتمل وجهين : أحدهما : أن تكون زائدة ، وقد أنشد النحويون على زيادة الفاء قول الشاعر : 1385 - يموت أناس أو يشيب فتاهم * ويحدث ناس والصّغير فيكبر « 2 » أي : والصغير يكبر ، وقول الآخر : 1386 - لمّا اتّقى بيد عظيم جرمها * فتركت ضاحي كفّه يتذبذب « 3 » أي : تركت ، وقال زهير : 1387 - أراني إذا ما بتّ بتّ على هوى * فثمّ إذا أمسيت أمسيت غاديا « 4 » يريد : ثم إذا ، وقال الأخفش : « وزعموا أنهم يقولون : « أخوك فوجد » يريدون : أخوك وجد » . والوجه الثاني : أن تكون الفاء تفسيرية . والتقدير : « فيقال لم ما يسوؤهم فألم تكن آياتي » ثم اعتني بحرف الاستفهام فقدّم على الفاء التفسيرية ، فقدّم كما تقدّم على الفاء التي للتعقيب في نحو قوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ « 5 » وهذا على رأي من يثبت أنّ الفاء تفسيرية نحو : « توضّأ زيد فغسل وجهه ويديه إلى آخر أفعال الوضوء » فالفاء هنا ليست مرتّبة وإنّما هي مفسّرة للوضوء ؛ كذلك تكون في « أفلم تكن آياتي تتلى عليكم » مفسرة للقول الذي يسوؤهم . وقول هذا الرجل : « فلمّا بطل هذا تعيّن أن يكون الجواب : فذوقوا » أي تعيّن بطلان حذف ما قدّره النحويون من قوله « فيقال لهم » لوجود هذه الفاء في « أفلم تكن » وقد بيّنّا أن ذلك التقدير لم يبطل وأنه سواء في الآيتين ، وإذا كان كذلك فجواب « أمّا » هو : « فيقال » في الموضعين ومعنى الكلام عليه . وأمّا تقديره : « أأهملتكم فلم تكن آياتي تتلى » فهذه بدعة زمخشرية ، وذلك أن الزمخشري يقدّر بين همزة الاستفهام وبين الفاء فعلا يصح عطف ما بعدها عليه ، ولا يعتقد أنّ الفاء

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 3 / 24 . ( 2 ) انظر البيت في الهمع 2 / 131 ، الدرر 2 / 172 . ( 3 ) انظر البيت المغني ( 180 ) ، سر الصناعة 1 / 270 . ( 4 ) انظر ديوانه ( ) ابن يعيش 8 / 96 ، سر الصناعة 1 / 266 ، المغني / ، الخزانة 3 / 588 ، رصف المباني ( 275 ) ، شواهد المغني ( 125 ) . ( 5 ) سورة يوسف ، آية ( 109 ) .